محمد حسين علي الصغير
135
مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية
نتيجة لكفرهم ، ومظهر كفرهم إطاعتهم أكابرهم بالكفر ، في حين أن الذي أحل هؤلاء وهؤلاء دار البوار - على سبيل العقوبة والمجازاة - هو اللّه تعالى جلّ شأنه . وهنا تلمس قيمة المجاز وتدرك خصائصه الفنية ، وذلك حينما تعلم موقع تبديل النعم بالكفر في الإحلال بدار البوار ، والكفر - بحد ذاته - ليس بقادر ولا متصرف ولا متمكن ، ومع هذا فهو السبيل إلى دار البوار بالقوة والفعل والعيان ، وإن كان المحدث للأمر غيره دون ريب ، فالمراد اجتنابه ، والابتعاد عن دائرته ، وإحلال الشكر محله ، تطبيقا لقوله تعالى : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ « 1 » . 4 - وفي قوله تعالى : مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ 35 « 2 » ، تجد جرسا موسيقيا ، وتخامر لذة علوية ، تأنس لها النفس ، وتهش لها الطبيعة الإنسانية ، وذلك عندما تتحدث الآية عن الملذات الحسية فضلا عن الملذات الروحية وأنت تتخيل الأنهار جارية ، وحولها الظلال الفسيحة ، والأكل الدائم ، في الجنة التي وعد المتقون . والأنهار وعاء للماء ومستقر له ، راكد أو سارب بأمر اللّه تعالى ، وهي ثابتة غير متنقلة ، فهي مكان الجري ، وما يجري فيها هو الماء ، فلما أسند الجري إلى الأنهار علمنا عقلا بالحكم عليه : أنه مجاز لأن الماء هو الجري إلا أن مكانه الأنهار ، فعبّر عن جريان ذلك الماء بجري الأنهار نفسها بوصفها مكانا له ، أو باعتبار الكثرة والغزارة في هذا الجري حتى ليخيل أن هذه الأنهار تجري بنفسها ، وإنما اعتبر المكان باعتبار الإسناد إليه ، والعامل الحقيقي غيره ، وما يدريك فلعل في هذا الاستعمال - وهو كذلك - من القوة في الاندفاع ، والسيطرة على النفس ، وعظيم التصوير الفني ، أضعاف ما في الاستعمال الحقيقي من الدلالة على المعنى المراد أداؤه بالضبط . 5 - وفي قوله تعالى : وَالضُّحى 1 وَاللَّيْلِ إِذا سَجى 2 « 3 » ، تبرز
--> ( 1 ) إبراهيم : 7 . ( 2 ) الرعد : 35 . ( 3 ) الضحى : 1 - 2 .